كتاب تفسير سفر ايوب – الإصحاح السادس والعشرون – القمص مكسيموس صموئيل

 

الإصحاح السادس والعشرون

كيف أعنت من لا قوة له، وخلصت ذراعا لا عز لها؟

 

  • ” ​فَأَجَابَ أيوب وَقَالَ: كَيْفَ أَعَنْتَ مَنْ لاَ قُوَّةَ لَهُ، وَخَلَّصْتَ ذِرَاعًا لاَ عِزَّ لَهَا ؟”:-

يعلق أيوب على تشامخ بلدد عليه بأنه لا قوة له وذراعه لا عز لها رغم هذا فإن الله يعين الذين لا قوة لهم ويخلص الذين ليس لهم عز في ذراعهم أو بالأحرى يخلص ويعين المتواضعين.
فإن كان الراعي يوبخ المخطئين فيتوبوا فهذا عمل الله أو ينخس الروح القدس في قلوبهم أما الراعي فبتواضع يجب أن يعمل ذلك مع رعيته أما مع نفسه يجب أن يكون أشد حتى إن كرز للآخرين لا يكون هو مرفوضا مثلما قال معلمنا بولس حتى يعرف أن الله هو الذي ينمي وأن الإنسان يشارك الله في عمله (١ كو٣: ٧).

  • ​” كَيْفَ أَشَرْتَ عَلَى مَنْ لاَ حِكْمَةَ لَهُ، وَأَظْهَرْتَ الْفَهْمَ بِكَثْرَةٍ ؟”:-

يوبخ أيوب بلدد بكلام بلدد نفسه فيقول أنه أعطى حكمة لمن لا حكمة له أي أيوب لكنه بكثرة الكلام تحول إلى العجب والكبرياء.
فمن أعلم بلدد أن أيوب لا حكمة له ؟ فلهذا إن كنت تقدم حكمة لجاهل فهذا عمل محبة لكن لحكيم هذا نوع من التباهي والكبرياء.
هل يقدم الإنسان نصيحة لمن هم أحكم منه أو حكماء عنه؟
بلدد تكلم بالحكمة لكن ليس في وقت مناسب.

  • ​” لِمَنْ أَعْلَنْتَ أَقْوَالاً، وَنَسَمَةُ مَنْ خَرَجَتْ مِنْكَ ؟”:-

يستجوب أيوب بلدد ويسأل هل يعلن أقوال لمن يعرف الحكمة؟ فإن كان أيوب حكيما فتكون أقوال بلدد ليست في محلها وليس لها فائدة بل قد تضر نفس الحكيم لأن الأدوية تداوي المرض عندما يوجد لكن عندما لا يكون مرض قد تضر من يأخذها.
ثم يتهم بلدد بالتأله إذ يقول له هل أنت مثل الله خرجت من روحك روح عملت بها الإنسان ؟ أم بأي روح تتكلم ؟ هل يتكلم بروح العجرفة دون أن يفكر فيما يتكلم ؟ فعلى بلدد أن يراجع ما تكلم به.

  • ​” اَلأَخْيِلَةُ تَرْتَعِدُ مِنْ تَحْتِ الْمِيَاهِ وَسُكَّانِهَا “:-

الأخيلة التي ترتعد تحت المياه هي الأسماك الضخمة مثل الحيتان والقرش فهي تخضع لله خائفة منه.
أيضا هم العمالقة قبل الطوفان والذين أغرقتهم مياه الطوفان لظنهم أنهم لا يمسهم سوء.
وقد تكون الشياطين ترتعد من خوف العقوبة حيث أنها حسب التقليد اليهودي تسكن المياه والهواء والأماكن الخربة أي البراري.

  • ​” الْهَاوِيَةُ عُرْيَانَةٌ قُدَّامَهُ، وَالْهَلاَكُ لَيْسَ لَهُ غِطَاءٌ “:-

الهاوية هي الجحيم وهو أصلا للشيطان وملائكته وأصبح لكل تابعي إبليس.
فإن الأشرار وتابعي إبليس خطاياهم يكشفها الله ويعرفها إذ هو كلي المعرفة وحتى الهاوية مكشوفة أمامه وليس شيء مستور عنه إذ هو يعرف كل شيء (عب٤: ١٣).
قد يظن المخطئ أنه لا يرى أحد خطيته لكن الله عنده كل شيء محسوب ومسجل ولا يفلت منه أحد.

  • ​” يَمُدُّ الشَّمَالَ عَلَى الْخَلاَءِ، وَيُعَلِّقُ الأَرْضَ عَلَى لاَ شَيْءٍ”:-

الشمال يمثل الشيطان وحروبه المضرة للإنسان مثلما يتكلم عن الرياح الشمالية المتلفة للزروع لأن شعب إسرائيل كان يهاجم كثيرا من الأمم الشمالية مثل آرام وأشور وبابل.
الله هو الوحيد الذي يقيم الأرض على لا شيء بقدرته لكن الإنسان بسبب قلة معرفته يؤسس الشيء على أساس ثابت لكن الله يجعل الغير موجود موجودا فلا غرابة حسب طبيعته أنه يعلق الأرض على لا شيء.

  • ​” يَصُرُّ الْمِيَاهَ فِي سُحُبِهِ فَلاَ يَتَمَزَّقُ الْغَيْمُ تَحْتَهَا”:-

يتحكم الله في المياه التي في سحبه فوق الجلد حيث يحملها الغلاف الجوي حتى تمطر بمقدار يفيد الإنسان والحيوان والزروع لحياتهم وليس لهلاكهم كما حدث في الطوفان.
قدرة الله فائقة على عمل كل هذا فالماء يرمز إلى المعرفة السمائية والسحب إلى الارتفاع عن الأرضيات، من يرتفع عن الأرضيات يصير سحابة لله سريعة تسير به إلى السماء حيث قلب الإنسان (إش١٩: ١)، والسحاب أيضا المرتفع يرمز للكارزين والرسل والأنبياء في سموهم.

  • ​” يَحْجِبُ وَجْهَ كُرْسِيِّهِ بَاسِطًا عَلَيْهِ سَحَابَهُ”:-

يحجب الله كرسيه عن بني البشر حيث يضع السحاب حتى لا يرى بالعين البشرية لأنه لا يقدر إنسان أن يرى الرب في مجده ويعيش (خر٣٣: ٢٠).
جعل الله جسد الإنسان كثيف حتى لا تقدر طبيعته على معاينة مجد الله لكنه أعطاه العقل الذي بواسطته يبحث في اللانهائيات فيستنير ليعرف عنه الشيء البسيط فيلهب قلبه نحو الله كما قال موسى لله “أرني مجدك”.
أما السحاب فهو القوات السمائية كما يقول المزمور (١٨: ٩) أن الضباب تحت رجليه وأنه ركب على الشيروبيم وطار مثلما رآه حزقيال في (حز١) و (رؤ ٤).

  • ​” رَسَمَ حَدًّا عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ عِنْدَ اتِّصَالِ النُّورِ بِالظُّلْمَةِ”:-

تترجم هذه الآية بــ ” رسم حدا على وجه المياه، حتى ينتهي النور والظلام”.
إذ المياه التي للبحار تزيد دائما لأن الأنهار تصب فيها لكن المياه التي للبحار لا تتعدى اليابسة وكأنها تحترم حدود اليابسة.
ففي الكتاب المقدس مياه البحار ترمز للأمم فهي تحترم وتحد بالرمال وهي حبيبات صغيرة فهذا يعطي الإنسان درسا أن لا يتعدى على حدود الآخرين من البشر أو الأمم لا تتعدى أمة على أمة كما خلق الله مياه البحر وحدها بحبيبات صغيرة هي الرمال.

  • ​” أَعْمِدَةُ السَّمَاوَاتِ تَرْتَعِدُ وَتَرْتَاعُ مِنْ زَجْرِهِ “:-

أعمدة السموات هم الملائكة القديسون وأعمدة الكنيسة هم الذين ينتصرون في حربهم ضد إبليس (رؤ٣: ١٣) وهم الرسل الكارزين مثلما قيل على بطرس ويعقوب ويوحنا في (غل٢: ٩)، وهم يخافوا الرب خوف المحبة.

  • ​” بِقُوَّتِهِ يُزْعِجُ الْبَحْرَ، وَبِفَهْمِهِ يَسْحَقُ رَهَبَ “:-

بقوة الله يزعج البحر والبحر يشير إلى الأمم المضطربة بسبب شرورها وعبادة الأوثان.
يسحق رهب، كلمة رهب هي الاسم القديم لمصر من رهب الجلوس لأن مصر كانت مشهورة بالقوة.
لكن إن كان بعض الدارسين يستنتجون أن أيوب عاش أيام موسى وهو يتكلم عن الخروج من مصر لكن فاتهم أن أيوب تكلم عن الأهرامات التي كانت في عصر إبراهيم في الألف الثانية قبل الميلاد وكانت في عصر الدولة القديمة أما موسى فقد عاش في عصر الدولة الحديثة.

  • ​” بِنَفْخَتِهِ السَّمَاوَاتُ مُسْفِرَةٌ (مشرقة) وَيَدَاهُ أَبْدَأَتَا الْحَيَّةَ الْهَارِبَةَ “:-

إذ كان الله بنفخة فمه خلق السموات وجندها فلهذا هنا يقول أنها بنفخة فمه هي مشرقة إذ خلقها بروحه القدوس نيرة دائما لأن نور السموات هو بواسطة مجد الله.
يــداه : دائما تشير إلى الله الابن وهو الذي وعد به آدم أن ” نسل المرأة يسحق رأس الحية”، وذلك عندما تجسد وصلب على الصليب ووصف الحية أنها هاربة أو ملتوية فهو (الله) لم يخلقها هكذا لكن إبليس دخلها وجعلها ملتوية وممتلئة خبثا وهي تهرب من الله لأنه يسحق رأسها.

  • ​”هَا هذِهِ أَطْرَافُ طُرُقِهِ، وَمَا أَخْفَضَ الْكَلاَمَ الَّذِي نَسْمَعُهُ مِنْهُ وَأَمَّا رَعْدُ جَبَرُوتِهِ فَمَنْ يَفْهَمُ؟”:

لا يستطيع الإنسان أن يدرك طرق الله لكنه يكاد يعرف أطراف طرقه كما طلب موسى أن يرى الرب فرأى خلف مجده لأن طرق الرب غير طرق الإنسان كما علت الأرض عن السموات علت طرق الله عن طرق البشر (إش٥٥: ٨).
ففي هذه الحياة نرى الله أو مجده كما في لغز في مرآة لكن في الحياة الأبدية سنراه كما هو (١ كو١٣: ١٣).
هو كرعد قوي في صوته لكننا ندرك بعضا منه وكأنه صوت خفيف كما سمعه إيليا في جبل حوريب عندما هرب من إيزابل.
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment