كتاب تفسير سفر ايوب – الإصحاح السابع والعشرون – القمص مكسيموس صموئيل

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

الإصحاح السابع والعشرون

حي هو الله الذي نزع حقي، والقدير الذي أمر نفسي

  • ” ​وَعَادَ أيوب يَنْطِقُ بِمَثَلِهِ فَقَالَ: حَيٌّ هُوَ اللهُ الَّذِي نَزَعَ حَقِّي، وَالْقَدِيرُ الَّذِي أَمَرَّ نَفْسِي”:-
  • كلمة مثله هنا تعني تعليمه وهي المستخدمة في أمثال سليمان.
  • لم يتكلم صوفر النعماتي الذي كان دوره أتى في الدورة الثالثة فيبدو أن أصدقاء أيوب أما اقتنعوا بكلامه أو كفوا عن الكلام إذ اقتنعوا أن أيوب لا يتغير عن فكره.
  • انتهز أيوب الفرصة ليعطي تعليمه لأصدقائه حتى يحثهم إلى الحق في كل شيء.
  • بدأ كلامه بالقسم إذ أن نهاية كل مشاجرة هي القسم (عب٦: ١٦).
  • وأوضح أن إيمانه بالله الحي الذي يحيي من بعد الموت ومن بعد التجارب.
  • اعتبر أيوب أن الله نزع حقه وأمرَّه بالتجارب لفائدته لكن هذا لم يثني أيوب عن إيمانه بالله الحي لكن عدم الصبر هو سبب مرارة لنا.

والتجارب تكون بأسباب ولها فوائد هي :-
إما لتنقية الإنسان مثلما ينقى الذهب والفضة.
إما عقوبة عن خطايا حتى لا ندان في يوم الدينونة.
أو لإظهار قداسة الإنسان واحتماله وصبره.
قد يجرب الإنسان نتيجة لخطية ما إما كبرياء مثلما تعالى قورح وداثان وأبيرام على موسى (عد ١٦) فابتلعتهم الأرض أو لأجل شهوة ما مثل عخان بن كرمي الذي اشتهى الذهب والرداء الشنعاري (يش ٧).
أو لإصلاح الإنسان وجعله أكثر استقامة مثلما عمل الله مع شاول الطرسوسي في (أع ٩).
وأيضا لإظهار مجد الله مثل المولود أعمى (يو٩: ٣).
​” إِنَّهُ مَا دَامَتْ نَسَمَتِي فِيَّ، وَنَفْخَةُ اللهِ فِي أَنْفِي”:-
واضح أن أيوب إيمانه مبني على معرفة كيفية خلقة الله للإنسان أنه نفخ من روحه في التراب فصار آدم نفسا حية وهذه هي سبب حياته بل سبب تميزه على كل الكائنات بأن له روح إنسانية على صورة الله ومثاله ولهذا فالإنسان عاقل ناطق.
وأيضا يقصد المعنى الروحي أن الإنسان يحيا بنسمة الله هي التي تحركه بإرادة الإنسان فإن استجاب الإنسان لعمل روح الله فيه تقوده الروح إلى كل ما هو سامي وعالي وإلى الروحيات.
وكلمات أيوب تدل على تمسكه بإيمانه حتى آخر نسمة من حياته مهما كانت التجربة قاسية.
​” لَنْ تَتَكَلَّمَ شَفَتَايَ إِثْمًا، وَلاَ يَلْفِظَ لِسَانِي بِغِشٍّ “:-
واضح أن أيوب مدقق جدا في حياته الروحية فيختار كلماته قبل أن ينطقها وبذلك لم ينطق بالإثم الذي يسيء لله وللآخرين ولا يغش بلسانه.
وأيضا إذا كان الفكر مقدس يتبعه الكلام المقدس كعمل للفكر، فما يحمله العقل من أفكار يتكلم به اللسان إلا إذا كان الإنسان مرائي ينطق بعكس ما يفكر فيه.

  • ​” حَاشَا لِي أن أُبَرِّرَكُمْ! حَتَّى أُسْلِمَ الرُّوحَ لاَ أَعْزِلُ كَمَالِي عَنِّي”:-

أيوب يفضل الموت على أن يغش أصحابه أو يتملقهم فهو لا يجعل الخير شر والشر خير (إش٥: ٢٠)، ولا يتكلم بكلام ناعم مغشوش (إش٣٠: ١٠) لكنه يضع الموت أمام عينيه لأن الذي في التجربة يحس أن الموت قريب منه أكثر من أي فترة أخرى.

  • ​” تَمَسَّكْتُ بِبِرِّي وَلاَ أَرْخِيهِ. قَلْبِي لاَ يُعَيِّرُ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِي”:-

تمسك أيوب أن قلبه نقي لا يلومه بشيء وحتى إن عيره أصحابه رغم أن أيوب نفسه اعترف بخطئه (أي٩: ٢٠) وأنه لا يبرر نفسه (أي٧: ٢٠).
وذلك لأن الإنسان لا يتبرر حتى لو كانت حياته يوما واحدا على الأرض (أي١٤: ٤، ٥).
فإن الإنسان مهما كان بار فإنه يوجد خطايا صعب تجنبها في فكره (حسب  ق. إغريغوريوس الكبير).
لذلك قال معلمنا يوحنا “إن قلنا إنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا” (١يو١: ٨)، وفي سفر الأمثال يقول أن البار يسقط سبع مرات ويقوم (أم٢٤: ١٦).

  • ​” لِيَكُنْ عَدُوِّي كَالشِّرِّيرِ، وَمُعَانِدِي كَفَاعِلِ الشَّرِّ “:-

كان أيوب أسوأ ما كان يكرهه هو الخطية وإذ صب عليه أصدقاؤه ويلات واتهامات بأنه خاطئ وتمسك هو بأنه ليس هكذا عاد وتكلم بأنهم في معاداتهم له يكونون أشرارا وبالتالي عبيدا للخطية (يو٨: ٣٤)، وهم بهذا متعدين على الله لأن الخطية هي التعدي (١يو٣: ٤) وهم بذلك أبناء إبليس لأنه كان منذ البدء يخطئ (١يو٣: ٨)، هكذا الخطية هي خاطئة جدا (رو٧: ١٣).

  • ​” لأَنَّهُ مَا هُوَ رَجَاءُ الْفَاجِرِ عِنْدَمَا يَقْطَعُهُ، عِنْدَمَا يَسْلِبُ اللهُ نَفْسَهُ ؟”:-

إذ اتهم أصدقاء أيوب أنه مرائي فهنا يدافع عن نفسه أنه ليس غبيا أن يكون مرائيا لأن المرائي ليس له رجاء في الأبدية، هو يظهر للناس عكس ما يبطن لينال نفع وقتي سواء مادي أو معنوي من مديح الناس لكن عندما يموت يذهب معه مديحه (مز٤٩: ١٧).

  • ​” أَفَيَسْمَعُ اللهُ صُرَاخَهُ إذا جَاءَ عَلَيْهِ ضِيقٌ ؟”:-

لأن المراءون لا يسمعون لإنذار الله في الإنجيل وفي الأحداث اليومية فلا يسمع الله لصلاتهم وقت ضيقهم إن لم يتوبوا عن الرياء.
لهذا ينبغي لهم أن يغلقوا كل الحواس حتى يصلوا ويقدموا توبة.
تغلق الأفكار عن جولانها حتى تصبح لائقة بالله.
تُغلق الأذن عن سماع ما هو بذيء.
يغلق الفم حتى لا نشوش على أخوتنا ونطلب الله في صمت.
تغلق العينان حتى نرى الله وليس الموجودات.

  • ​” أَمْ يَتَلَذَّذُ بِالْقَدِيرِ ؟ هَلْ يَدْعُو اللهَ فِي كُلِّ حِينٍ ؟”:-

يوضح أيوب أن المرائي غير مداوم على العشرة مع الله والتلذذ به في صلاة، في جهاد، في سماع كلماته المقدسة، فهو إن صلى تكون صلاته متقطعة غير منتظمة فتكون حياته الروحية متذبذبة بسبب عدم تواتر وانتظام صلاته.

  • ​” إِنِّي أُعَلِّمُكُمْ بِيَدِ اللهِ. لاَ أَكْتُمُ مَا هُوَ عِنْدَ الْقَدِيرِ “:-

لا يكتم أيوب ما أعطي من نعمة وعلم من عند الرب إذ يعلم به أصدقاءه.
يقوم أيوب هنا بدور الكنيسة التي تعلم ليس من ذاتها إنما متكلة على عريسها.
إذ قال أيوب أعلمكم بيد الرب ويد الرب أو الله هي أقنوم الكلمة الذي نعتمد عليه في التعليم.
دور الكنيسة بواسطة الرب أن تهدي وتربي وتعلم، فالله يهدي الآخرين البعيدين عن الخلاص إلى الخلاص بواسطة الكنيسة ثم يدربهم وينميهم ويعالج جراحاتهم فلهذا يكون مربيا ومصلحا وأخيرا معلما إياهم التعاليم الصحيحة (وهذا حسب ما تكلم به  ق. إكليمندس السكندري).
ملحوظة : دعوة الله بالقدير تحدد هذه التسمية أن أيوب عاش في عهد قريب من عهد إبراهيم لأن الله عندما ظهر لموسى النبي في العليقة قال أن اسمه يهوه وكان أيام آبائه إبراهيم وإسحق ويعقوب اسمه الإله القدير.
​” هَا أَنْتُمْ كُلُّكُمْ قَدْ رَأَيْتُمْ، فَلِمَاذَا تَتَبَطَّلُونَ تَبَطُّلاً؟ قَائِلِينَ: هذَا نَصِيبُ الإنسان الشِّرِّيرِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَمِيرَاثُ الْعُتَاةِ الَّذِي يَنَالُونَهُ مِنَ الْقَدِيرِ”:-
قال لهم أيوب قد رأيتم ما حل بي لكنكم لم تعملوا عملا واحدا فيه دليل على المحبة العملية بل عملا باطلا عملتم إذ أضفتم عليَّ ضيقا جديدا هو أنكم تكلمتم باطلا وأدنتموني بأن ما حدث لي هو نتيجة أنني إنسان شرير، فالحقيقة غير ذلك لأن ليس كل الأشرار يعيشون في ألم وليس كل الأبرار يعيشون في يسر فإن يسر الأشرار إلى حين وحتى لو كانت حياتهم كلها يسر لكن في الأبدية ليس لهم نصيب.
​” إن كَثُرَ بَنُوهُ فَلِلسَّيْفِ، وَذُرِّيَّتُهُ لاَ تَشْبَعُ خُبْزًا. بَقِيَّتُهُ تُدْفَنُ بِالْمَوْتَان (بالوباء)، وَأَرَامِلُهُ لاَ تَبْكِي “:-
الشرير قد يكون له أبناء كثيرين لكن السيف ينزل بهم بواسطة الأعداء مثلما كان لأخاب ٧٠ ابنا قتلهم كلهم ياهو بن نمشي.
وأبناؤه يمثلون ثقلا عليه إذ لا يجدون شبع من الخبز يموتون جوعا وهذا معناه ليس فقط الخبز للأكل الجسدي بل جوعا للخبز السماوي كلمة الله كما تكلم عاموس (عا٨: ١١).
يسقط ميته بوباء مرضي الذي يكتسح القرى والمدن وعندما يموت الشرير لأنه شرير لا تبكي أرامله عليه لأنه كان يمثل ثقل عليهن.

  • ​” إن كَنَزَ فِضَّةً كَالتُّرَابِ، وَأَعَدَّ مَلاَبِسَ كَالطِّينِ، فَهُوَ يُعِدُّ وَالْبَارُّ يَلْبَسُهُ، وَالْبَرِئُ يَقْسِمُ الْفِضَّةَ. يَبْنِي بَيْتَهُ كَالْعُثِّ، أو كَمَظَلَّةٍ صَنَعَهَا النَّاطُورُ (الحارس)”:-

الفضة في الكتاب المقدس ترمز لكلمة الله التي تجرب سبعة أضعاف (مز١٢: ٦).
وهي هنا للامتلاء الداخلي بالحياة السماوية لا للاستعراض الخارجي أمام الآخرين.
الملابس ترمز للباس البر الذي كسانا به ربنا يسوع في المعمودية نتيجة لصلبه على عود الصليب.
تحسب الثياب ذات قيمة غالية مع الذهب والفضة مثل :-

  • كلام معلمنا بولس عن عدم اشتهائه ذهب أو فضة أو لباس أحد (أع٢٠: ٣٣؛ ١ تي٢: ٩).
  • معلمنا يعقوب وبخ الغناة بأن ثيابهم أكلها العث (يع٥: ٢).
  • يوسف الصديق أكرم بنيامين بــ ٣٠٠ من الفضة و ٥ قطع ثياب (تك٤٥: ٢٢).
  • شمشون عندما عمل لغزا لأهل فلسطين أهل زوجته وعدهم بثياب (قض١٤: ١٢- ١٣، ١٩).
  • عندما شفي نعمان السرياني بواسطة أليشع أخذ له ثياب مع هدايا (٢ مل٥: ٥).
  • سليمان قبل ثيابه كهدية رغم عظم غناه (٢ أي٩: ٢٤).
  • دانيال أعطاه الملك ثوبا أرجوان كتكريم له (دا٥: ٢٩).
  • بيت الشرير يكون مثل العث الذي يصيب الثياب فتتهرأ بسرعة أو مثل مظلة قماش أو غيره يضعها الحارس لتحميه من الشمس فهي ضعيفة لا تدوم.
  • ​” يَضْطَجعُ غَنِيًّا وَلكِنَّهُ لاَ يُضَمُّ. يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ وَلاَ يَكُونُ “:-

إذ يموت الغني وهو شبعان من خيرات الأرض في حالة راحة جسدية لكنه يكون في فراغ يفتح عينيه فيجد نفسه في حالة رعدة إذ انتهى كل مجده الزائل وزالت الحياة وتبقى الحقيقة الصادقة أمامه وهي الدينونة.
أما الفقير فالموت له راحة حقيقية وحتى إن لم يتمتع بالخيرات فإن عمله وجهاده يعطيه راحة “نوم المشتغل حلو” (جا٥: ١٢).

  • ​” الأَهْوَالُ تُدْرِكُهُ كَالْمِيَاهِ. لَيْلاً تَخْتَطِفُهُ الزَّوْبَعَةُ “:-

الموت بالنسبة للغني هو مثل الغرق في المياه لذلك شبهت جهنم بالبحيرة التي تبتلع من يدخل إليها (مرا٣: ٥٣؛ مز٣٠: ٢، ٣).
ويكون الغني كالعصافة في مهب الرياح إذ لا تعود نفسه تشرق عليها شمس البر بل الظلمة والهلاك.

  • ​” تَحْمِلُهُ الشَّرْقِيَّةُ فَيَذْهَبُ، وَتَجْرُفُهُ مِنْ مَكَانِهِ “:-

الريح الشرقية هي ما يثيره إبليس من شرور حتى وقت موت الغني لكي يُحمل إلى الدينونة، والرياح الشرقية هي رياح تهب تفسد النباتات وتعطل السفن في منطقة الأراضي الشرقية مثل بحر الجليل عندما هبت فيه رياح شرقية بعدما صرف ربنا يسوع تلاميذه إذ هاج البحر برياح شرقية معاكسة وقد جدفوا ٢٥- ٣٠ غلوة (يو٦: ١٨).
لكن الفقير المحب لله تحمله نسمات رحمة الله إلى الأبدية السعيدة في سلام وهدوء كما تحمل المركب وتسير مع تيار الماء الهادئ إلى شاطئ الأبدية السعيدة.

  • ​” يُلْقِي اللهُ عَلَيْهِ وَلاَ يُشْفِقُ. مِنْ يَدِهِ يَهْرُبُ هَرْبًا. يَصْفِقُونَ عَلَيْهِ بِأَيْدِيهِمْ، وَيَصْفِرُونَ  عَلَيْهِ مِنْ مَكَانِهِ “:-

الغني الشرير عندما يفارق الحياة تقبض يد الله أي ابنه ربنا يسوع عليه أي على روحه فلا يقدر أن يهرب من المصير المحتوم له في الجحيم حيث تكون عدالة الله لأن الرحمة قد استنفذت في حياة الغنى.
يفرح عند موت الغني الشرير الأبرار والمظلومون منه، يصفقون بالأيادي لعدل الله الذي تم فيه ويصفرون عليه أي يشمتوا فيه أعداؤه مثلما حدث عند سبي يهوذا إذ شمت فيها جيرانها.

Leave a Comment