كتاب تفسير سفر ايوب – الإصحاح التاسع والعشرون – القمص مكسيموس صموئيل

الإصحاح التاسع والعشرون

يا ليتنـي كما في الشهور السالفة وكالأيام التي حفظنـي الله فيها

” ​وَعَادَ أيوب يَنْطِقُ بِمَثَلِهِ فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي كَمَا فِي الشُّهُورِ السَّالِفَةِ وَكَالأَيَّامِ الَّتِي حَفِظَنِي اللهُ فِيهَا “:-
انتظر أيوب أحد يرد عليه أو يعلق على ما قاله سابقا فلم يجد فلهذا استمر في كلامه.
اشتهى أيوب أن يرجع شهور أو شهرا حسب بعض الترجمات مما كان يعيش فيه عندما كان رئيسا الكل يخدمونه ويهابونه أما حاليا الكل يستهزئون به.
عاد أيوب يؤكد أنه لم يكن مذنبا في خطايا الشهوة أو خطايا سرية.
لم يظلم مسكين أو أرملة.              – لم يمسك طعام عن اليتامى.
كان يرفض الكذب والغش.             – يرفض الظلم والطمع.
رفض عبادة الأصنام.                   – رفض الشماتة والشح والرياء.
لكن هذا ليس بقدرته الشخصية لكن لأجل حفظ الله له.
​” حِينَ أَضَاءَ سِرَاجَهُ عَلَى رَأْسِي، وَبِنُورِهِ سَلَكْتُ الظُّلْمَةَ “:-
أصبح أيوب سراج لكن نوره هو من الله.
اعترف أيوب أن النور الذي فيه هو النور الحقيقي من الله.
النور هنا يشير إلى ربنا يسوع نور الكنيسة.
النور هو نور المحبة لأن الذي يحب أخاه يسلك في النور (١ يو٢: ١١).
النور هو نور الأعمال الصالحة التي يهبها الله للإنسان.
النور هو كلمة الله التي هي سراج لقدميه مثلما قال داود في (مز١١٩: ١٠٥).
النور أيضا هو نور الإيمان بالله فإيماننا به يجعلنا نسلك في النور لا في الظلمة.
كان أيوب أشبه بمنارة في ظلمة هذا العالم للسفن التي في لجة بحر هذا العالم إذا كان هو ميناء لكن هذا النور هو من الله وليس منه هو.
​” كَمَا كُنْتُ فِي أَيَّامِ خَرِيفِي، وَرِضَا اللهِ عَلَى خَيْمَتِي”:-
النص حسب ق. إغريغوريوس الكبير “كما كنت في أيام صباي وكان الله يجالسني في خيمتي”. توضح ترجمة ق. إغريغوريوس مدى معرفة أيوب لله منذ صباه.
أيضا تواضع الله الذي كان يتخذ من خيمة أيوب مكان ليجلس فيه معه.
أيضا مدى العشرة والحب بين الله وأيوب وأصل تمسك أيوب بالله هو الارتباط منذ الصبي.
أيضا توضح صورة من ظهورات الله لأيوب تمهيدا للتجسد الإلهي في ملء الزمان.

  • ​” وَالْقَدِيرُ بَعْدُ مَعِي وَحَوْلِي غِلْمَانِي”:-

إذ كان الله مع أيوب وهو صبي في خيمة أبيه فقد ظل معه طوال حياته عندما كبر وكثر غناه وله خدام هذا عددهم.
لكن لأن أيوب ارتبط بالله فلم يهتم إذا كان هو ذو غنى أو فقر لكن اهتم أن تكون ثروته الحقيقية هي الله في جميع أطوار حياته وجميع ظروفها إذ كان الله معه في الصبا ومعه عندما أصبح فتى ومعه عندما أصبح صاحب أسرة وزوجة وأبناء ومعه أيضا عندما انصبت عليه كل هذه الكوارث.

  • ​” إذ غَسَلْتُ خَطَوَاتِي بِاللَّبَنِ، وَالصَّخْرُ سَكَبَ لِي جَدَاوِلَ زَيْتٍ”:-

يعبر أيوب عن سر الشبع الذي كان له بالآتي :-

  1. بغسل خطواته باللبن أي كان له كثرة غنم وكان من كثرة إنتاج اللبن يغسل رجليه بلبن قطيعه تعبير عن الشبع وعن مباركة الله لأعماله فهو يعبر عن الكنيسة وعن غنى كرازتها على أولادها وبشارتها بالتوبة.
  2. الصخر هو ربنا يسوع (١ كو١٠: ٤) أي الإيمان به أما الزيت فهو دليل على كثرة شجر الزيتون الذي كان يعصر بالمعاصر الحجرية ويفيض منها، والزيت تعبير عن فيض عمل الكنيسة بالروح القدس خلال أسرارها.
  • ​” حِينَ كُنْتُ أَخْرُجُ إِلَى الْبَابِ فِي الْقَرْيَةِ، وَأُهَيِّئُ فِي السَّاحَةِ مَجْلِسِي “:-

لم يكتفي أيوب بالشبع لذاته لكن عوض عن ذلك كان يقوم بدور خادم لأجل الآخرين.
كانت خدمته لأهل قريته أن يذهب عند باب المدينة حيث تعد ساحة القضاء للشيوخ إذ كان هو يرأس مجلس القضاء إذ كانوا يهيئون له مجلس (كرسي) وهذا لأجل حفظ العدل وإنصاف المظلومين وحفظ الأمن في قريته.

  • ​” رَآنِي الْغِلْمَانُ فَاخْتَبَأُوا، وَالأَشْيَاخُ قَامُوا وَوَقَفُوا “:-

الغلمان هم الشباب والصبية الصغار الغير ناضجين لسبب شرورهم فهم يخشون أيوب لأنه حتما سيدينهم على شرورهم.
أما الشيوخ فكانوا لأجل ثقل خبرتهم له وإجلالا لأجل حكمة الله الكائنة معه.
فغير الناضجين روحيا يهربون من الكنيسة ويخشون أن تدينهم أما الشيوخ فيكرمون الكنيسة بسبب تدبيرها الحسن ونضوج خبرتهم إذ كانوا يكرمون أعمالها الحسنة (١زتي٥: ١٧، رو١٣: ٧).

  • ” ​الْعُظَمَاءُ أَمْسَكُوا عَنِ الْكَلاَمِ، وَوَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ. صَوْتُ الشُّرَفَاءِ اخْتَفَى، وَلَصِقَتْ أَلْسِنَتُهُمْ بِأَحْنَاكِهِمْ “:-

إذ تمتع أيوب بشخصية مهيبة فكان عندما يحضر مجلس الشيوخ كان عظماء المدينة وشرفاؤها يسكتون بل تلتصق ألسنتهم بحنكهم إذ كانوا يختلفون فتكون الكلمة القاطعة هي لأيوب.
وكأن العظماء والشرفاء هم اليهود والأمم اليونانية المتعظمة بالفكر والفلسفة عندما جاء ربنا يسوع بوصاياه أسكت هؤلاء بل أبكمهم هكذا أيضا الكنيسة بحكمة إلهها أسكتت حكمة الحكماء حسب العالم.
إذ بمجيء ربنا يسوع صمتت كل النبوات التي كانت من عظماء الأنبياء مثل موسى (تث١٨: ١٨) وإشعياء (إش٧: ١٤) لأن المتنبأ عنه قد جاء إلى العالم.

  • ​” لأَنَّ الأُذُنَ سَمِعَتْ فَطَوَّبَتْنِي، وَالْعَيْنَ رَأَتْ فَشَهِدَتْ لِي”:-

حاز أيوب على كرامة من الآخرين بسبب سماع الآخرين عنه فأعطوه الطوبى ورأى الآخرون سلوكه العملي فشهدوا له.
يمثل أيوب الكنيسة التي تعكس صورة مسيحها فإنها مطوبة بسماع الآخرين عنها وشاهدة بسلوك أبنائها حتى إن كانت مضطهدة مقاومة من العالم.

  • ” ​لأَنِّي أَنْقَذْتُ الْمِسْكِينَ الْمُسْتَغِيثَ وَالْيَتِيمَ وَلاَ مُعِينَ لَهُ”:-

لا يفتخر أيوب بمجد باطل ولا بشيء ليس له بل بعمل جيد مثل إغاثة المسكين من الظالمين له وأيضا كان أبا لليتامى عوضا عن الذين فقدوا آباءهم.
يمثل أيوب الكنيسة التي تسمع صراخ المستغيثين من الخطية بالتوبة فتعطي لهم حل بمغفرة الخطية هذا الذي أعطى لها من قِبَل ربنا يسوع (يو٢٠: ٢١، ٢٢).
كما أن الكنيسة تعين الأبناء الذين فقدوا بنوتهم الروحية لله ببعدهم عنه فهي تعينهم حتى يعودوا إلى بنوتهم لله ولا يكونوا بعد يتامى بل أبناء الله العلي.

  • ​” بَرَكَةُ الْهَالِكِ حَلَّتْ عَلَيَّ، وَجَعَلْتُ قَلْبَ الأَرْمَلَةِ يُسَرُّ “:-

الهالك هو مريض قارب الموت أو سجين فهذه الفئات المرذولة وجدت اهتمام من أيوب وأيضا صار مسر للأرامل إذ صار عاضد لهن من اضطهاد وظلم المجتمع لهن فلهذا معلمنا يعقوب يقول أن ” الديانة الطاهرة هي هذه افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم” (يع١: ٢٧).
فلهذا تقوم الكنيسة أيضا بهذا الدور فأصبحت تمثل أيوب في إعانة الهالكين روحيا لتعطي لهم المغفرة والحل عندما يتوبون وتسد حاجة الأرامل المادية والروحية حيث تجعل النفس عريسها هو الرب بديلا عن الزوج الذي فقدته.

  • ​” لَبِسْتُ الْبِرَّ فَكَسَانِي. كَجُبَّةٍ وَعَمَامَةٍ كَانَ عَدْلِي”:-

سلوك أيوب بالبر ليس كشيء ثانوي في حياته لكنه أصبح هو حياته فقد أحاط به البر من كل جانب كالملابس وأصبح سلوكه بالعدل كجبة داخلية وعمامة فإن كان ليس ملكا لكنه أصبح ملكا لباسه البر وجبته العدل وتاجه العدل أيضا.
أصبح أيوب كمدينة حصينة من كل ناحية لأن الإنسان لو كان يحفظ سلوكيا الناموس كله وأخطأ في واحدة فقد أخطأ في الناموس كله لكن أيوب أحكم إغلاق مدينته وكل أبوابها فصارت مدينة حصينة للبر.
يشير أيوب إلى ربنا يسوع البار القدوس الذي بلا عيب وهو الذي يدعى بارا وكل بر هو منه فقد التحف به بره وتاجه هو عدله الفائق العمل.
وأيضا يشير إلى الكنيسة التي خطبها ربنا يسوع لنفسه وكساها بالبر وألبسها مطرزة فجملت جدا وصلحت لمملكة وألبسها إكليل على رأسها (حز ١٦).

  • ​” كُنْتُ عُيُونًا لِلْعُمْيِ، وَأَرْجُلاً لِلْعُرْجِ”:-

صار أيوب عيونا للعمي بأن يكون نورا لهم ويرشد الذين فقدوا طريق الحكمة الروحية وصار رجلا للأعرج الذي سقط حتى يتوب بل ساعد الأعرج حتى يضع رجله على الطريق السليم الروحي فعمل أيوب بالحكمة والسلوك.

  • ” ​أَبٌ أَنَا لِلْفُقَرَاءِ، وَدَعْوَى لَمْ أَعْرِفْهَا فَحَصْتُ عَنْهَا”:-

كان أيوب يجد سعادته بين المرذولين والمظلومين والفقراء إذ كان يمثل دور الأب المعطي بسخاء ولا يعير بل الأب الحنون الذي يعطي مشاعره بسرور مثلما يعطي عطايا مادية ولم يستنكف من أن يدعى أبا للفقراء بل هذا يزيده مجدا.
بل دعوى المظلومين الذين لم يهتم بهم أحد ولم يكن يعرفها كان يبحث عنها كأنه يبحث عن وجود عدم عدالة في الدعاوي التي لم يهتم بها القضاة فكان يبحث عن الطرفين ليدافع عن المظلوم الذي لم يهتم به أحد.

  • ​” هَشَّمْتُ أَضْرَاسَ الظَّالِمِ، وَمِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ خَطَفْتُ الْفَرِيسَةَ”:-

لم يكن أيوب مدافعا سلبيا للفقراء فقط بل كان مثل داود يخطف المظلومين والفقراء من بين أضراس الظالمين بل ويكسر أسنانهم أي لا يحطمهم لكن يزيل عنهم شرهم الذي هو وحشيتهم ويحولهم إلى حملان وهذا هو عمل بطولي يندر أن يعمله الكثيرون عبر كل الأجيال.

  • ​” فَقُلْتُ: إِنِّي فِي وَكْرِي أُسَلِّمُ الرُّوحَ، وَمِثْلَ السَّمَنْدَلِ أُكَثِّرُ أَيَّامًا”:-

كان أيوب يظن أنه في عش عال مثل الطيور لا يقدر شيء أن يؤذيه فمهما طار خارجا يرجع إليه في أمان لكنه اكتشف أنه بينما هو في أمان وكان يظن أن أيامه كثيرة في عددها مثل رمل البحر (السمندل) لكن سرعان ما خاب أمله وأحس بزحف الموت ناحيته.
في القديم كانوا يستخدموا ساعة رملية لكنها كانت مع كثرة الرمال ينفذ ما فيها سريعا هكذا صارت حياة أيوب الذي كان يظن أنها طويلة زحف إليها الموت سريعا.

  • ​” أَصْلِي كَانَ مُنْبَسِطًا إِلَى الْمِيَاهِ، وَالطَّلُّ بَاتَ عَلَى أَغْصَانِي”:-

كان أيوب أشبه بشجرة مغروسة على مجاري مياه الروح القدس تمتد جذورها داخها، داخليا ملآن بروح الله وخارجيا كانت النعمة تظلل عليه مثل الطل على الشجر فكان الله يحميه.

  • ​” كَرَامَتِي بَقِيَتْ حَدِيثَةً عِنْدِي، وَقَوْسِي تَجَدَّدَتْ فِي يَدِي”:-

عاش أيوب مكرم دائما ليس بسبب آخر سوى حبه المتدفق نحو الجميع وخاصة المرذولين والمظلومين والفقراء.
قوسه الذي يصوبه ضد الظلم وضد إبليس هي تتجدد بقوة عمل الروح في يده باستمرار وهو يعمل ضد سهام إبليس المتقدة نارا لهذا القوس يستخدم في الكتاب المقدس للخير ويعبر عن الشر عندما يكون يخص إبليس وهذا ما يقال في تسبحة يوم الجمعة في إبصالية الجمعة في الربع الثاني حيث يقول :-
~A Penoc? Ihc? Pxc? > ; `noumhini `nnef`ebiaik > nheter\o; ‘atef\h > eqrouvwt `ebol ‘a`t\h `m`p\o `nouvi; .
(ربنا يسوع المسيح قد أعطى علامة لعبيده الذين يخافونه لكي يهربوا من وجه القوس)

  • ” ​لِي سَمِعُوا وَانْتَظَرُوا، وَنَصَتُوا عِنْدَ مَشُورَتِي”:-

الترجمة هنا قاصرة لأن الآية تأتي في ترجمات أخرى “الذين سمعوا لي انتظروا وانصتوا لمشورتي”.
هنا يدل على مدى اعتبار أيوب في مشورته ومدى هيبته إذ انتظر الكل حتى يسمعوا منه المشورة السديدة فهو يمثل الكنيسة التي يهابها الكل وينصت إلى كلامها الكل لأن مشورتها هي بعمل روح الله فيها.

  • ​” بَعْدَ كَلاَمِي لَمْ يُثَنُّوا، وَقَوْلِي قَطَرَ عَلَيْهِمْ “:-

اشتهر أيوب بدقة فحصه للقضايا وكان الكل ينتظر قوله مثل قطر العسل أو الماء على الأرض، ولا يعطوا بعد رأيه رأيا آخر، وهو هنا يمثل الكنيسة التي تقدم رأيا ثابتا في عقيدتها لا يوجد بعده رأي آخر إنما الآراء الأخرى هي للهراطقة.

  • ​” وَانْتَظَرُونِي مِثْلَ الْمَطَرِ، وَفَغَرُوا أَفْوَاهَهُمْ كَمَا لِلْمَطَرِ الْمُتَأَخِّرِ “:-

الجميع كانوا ينتظروا تعليم أيوب وحكمه مثل أرض جافة تنتظر المطر المتأخر الكثير فهو يمثل الكنيسة التي بالاتضاع يشعر أبناؤها كأنهم قفر يحتاج إلى تعاليم الكنيسة المقدسة وإلى عمل الروح القدس الذي يُمثَل بالماء (إش٥٥: ١).

  • ​” إن ضَحِكْتُ عَلَيْهِمْ لَمْ يُصَدِّقُوا، وَنُورَ وَجْهِي لَمْ يُعَبِّسُوا “:-

كان الكل إذا ضحك أيوب يشيع فيهم البهجة دون سقوط هيبته إذ يرون في وجهه نورا وإذا غضب لم يكن بزيادة أيضا يروا في ذلك فائدة لهم هكذا ينبغي للإنسان الروحي أن يكون متزنا بين العدل وبين الفرح.

  • ​” كُنْتُ أَخْتَارُ طَرِيقَهُمْ وَأَجْلِسُ رَأْسًا، وَأَسْكُنُ كَمَلِكٍ فِي جَيْشٍ، كَمَنْ يُعَزِّي النَّائِحِينَ”:-

كان أيوب أشبه بقائد جيش لمن حوله حتى يقودهم في الطريق السليم والنائحين كان عطوف عليهم إذ لم يفلت من رعاية شخص ما بل بألفة وبقوة مع حنو كان يقود الآخرين وهذا ما تفعله الكنيسة ناحية كل من تخدمهم.
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment