كتاب تفسير سفر ايوب – الإصحاح الثلاثون – القمص مكسيموس صموئيل

الإصحاح الثلاثون

الآن قد ضحك عليَّ أصاغري أياما

 

  • ” وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ضَحِكَ عَلَيَّ أَصَاغِرِي أَيَّامًا، الَّذِينَ كُنْتُ أَسْتَنْكِفُ مِنْ أن أَجْعَلَ  آبَاءَهُمْ مَعَ كِلاَبِ غَنَمِي”:-
  • اعتبر أيوب أن أيامه الأولى التي كان فيها في رغد رغم أنه لم يخطئ (أي١: ١)، وشهد الله بكماله (أي١: ٨) اعتبر أيامه الأولى عبرت كالبخار.
  • إذ كان يظن أنه عندما يشيخ يكرم بالأكثر من الذين خدمهم لكن يبدو أن الذين كانوا ظالمين وحكم عليهم أيوب هم الذين عيروه لكن الشريعة تأمر باحترام الشيخ مثل (لا١٩: ٢٣، سيراخ٣: ١٤؛ ٨: ٧).
  • لكن من من القديسين لم يتألم حتى معلمنا بولس تألم إلى اليأس من الحياة (٢كو١: ٨- ١٠) وقد كتب أصحاحا كاملا عن آلامه في (٢ كو ١١).
  • اعتبر أيوب أن الكلاب نجسة (١ صم١٧: ٤٣، أم٢٦: ١١) لكنها أخلص من الذين استهزئوا به.
  • ​” قُوَّةُ أَيْدِيهِمْ أيضا مَا هِيَ لِي. فِيهِمْ عَجِزَتِ الشَّيْخُوخَةُ “:-

إنه كان في شبابه يعزي الشيوخ الذين لم يهتموا به عندما شاخ وأنه جاءت إليه الشيوخ ليحطموه أكثر مما هو عليه فلذا أبناء هؤلاء الشيوخ بماذا يعلموا أبناءهم ؟ يعلموهم عدم النظر أو الاهتمام بالشيوخ في شيخوختهم.

  • ​” فِي الْعَوَزِ وَالْمَحْلِ مَهْزُولُونَ، عَارِقُونَ الْيَابِسَةَ الَّتِي هِيَ مُنْذُ أَمْسِ خَرَابٌ وَخَرِبَةٌ “:-

يتكلم أيوب عن الذين جاءوا ليعزوه سواء أصدقاؤه الثلاثة أو أي شخص، هم للأسف أرض جافة أشجار بلا ثمر نبذهم المجتمع لعدم فائدتهم وقد جاء ليعكسوا عدم إثمارهم وبوار أرض قلبهم على أيوب المثمر روحيا في داخله.

  • ” ​الَّذِينَ يَقْطِفُونَ الْمَلاَّحَ عِنْدَ الشِّيحِ، وَأُصُولُ الرَّتَمِ خُبْزُهُمْ “:-

الملاح هو نبات عشبي وهو الشيح bushes يأكله الفقراء عند عوزهم، وأيضا الرتم هي شجرة لها أزهار وبذور مثل العدس يأكل جذورها المرة الفقراء وهي التي يصنع من جذورها الفحم وهي التي جلس إيليا النبي تحتها عندما هرب من وجه إيزابل وقدم له الملاك أكلا (١ مل١٩: ٤).
فقد صار حتى الفقراء جدا الذين كان يخدمهم أيوب شامتين فيه.
ولهذه الآية معنى روحي إذ يترجم ق. إغريغوريوس الكبير كلمة الرتم بلحاء الشجر أي الذين يهتمون في الكتاب المقدس بالتفسير الحرفي الخارجي ولا يهتموا بالتفسير والمعنى الروحي أي الذين يقفون عند السطح ولا يتعمقون.

  • ​” مِنَ الْوَسَطِ يُطْرَدُونَ. يَصِيحُونَ عَلَيْهِمْ كَمَا عَلَى لِصٍّ “:-

جاء إليه المطرودون من المجتمع الذين عندما يراهم الناس يصيحون عليهم أنهم لصوص جاءوا إليه يستهزئون ويشمتون به أي حتى اللصوص لم ينجو أيوب من تعييرهم.

  • ” ​لِلسَّكَنِ فِي أَوْدِيَةٍ مُرْعِبَةٍ وَثُقَبِ التُّرَابِ وَالصُّخُورِ”:-

ما كان يحدث في ماضي أيوب أنه كان قاضيا لشعبه فكان العصاة والمتمردين يهربوا إلى الجبال والمغاير في عزلة عن المجتمع بسبب شرهم وها هم الآن يظهرون ليشمتوا بأيوب.
يرمز أيوب للكنيسة وقديسيها أما المتمردين والأشرار هم الذين يعملوا ويفرحوا في أي شيء ضد الكنيسة وهم الذين يقاومون الكنيسة وهم عائشون في عزلة عن الكنيسة وقديسيها.

  • ​” بَيْنَ الشِّيحِ يَنْهَقُونَ. تَحْتَ الْعَوْسَجِ يَنْكَبُّونَ”:-

صار الأشرار المتمردين الذين حكم عليهم أيوب لأجل ظلمهم فيما قبل هاربين صاروا مثل الحمير الوحشية الغير مطيعة ولا تخدم أي أحد تنهق لأجل فريسة وهي تحت شوك (العوسج) الحسد إذ هي لا تتقدم وتحطم غيرها إن أراد التقدم.
هنا يمثل هؤلاء الحقودين الذين هم أعداء البشرية وهم مرضى بالحسد لا يريدوا الله أو نجاح لهم ولا لغيرهم بل يعملوا على تحطيم غيرهم بل يحزنوا لتقدم الغير أو الكنيسة.

  • ” ​أَبْنَاءُ الْحَمَاقَةِ، بَلْ أَبْنَاءُ أُنَاسٍ بِلاَ اسْمٍ، سِيطُوا مِنَ الأَرْضِ”:-

صار هؤلاء رغم كونهم بشر ولهم عقل صاروا حمقى كأنهم فقدوا عقلهم بلا اسم أي بلا فضيلة ولا تمييز بل أن الأرض نفسها تطردهم إذ هم أصبحوا في حالة غربة عن الله وعن البشر فالأرض تطيع الله وتعطي ثمرا في حينه بينما هؤلاء ليس لهم أي ثمر.

  • ​” أما الآنَ فَصِرْتُ أُغْنِيَتَهُمْ، وَأَصْبَحْتُ لَهُمْ مَثَلاً !”:-

يتعجب أيوب كيف صار وهو بار أغنية للأشرار ومثلا للهزء فقد يسمح الله للأبرار المستحقين المديح بالهزء حتى يحتفظوا بتواضعهم فقد مثل أيوب ربنا يسوع مثلما قيل عنه في مراثي ارميا (مرا٣: ١٤) “صرت أضحوكة لشعبي وأغنية لهم النهار كله”.
كما سمح لشعب إسرائيل أن يكونوا مثلا بين الشعوب لتركهم الله (يؤ٢: ١٧).

  • ​” يَكْرَهُونَنِي. يَبْتَعِدُونَ عَنِّي، وَأمام وَجْهِي لَمْ يُمْسِكُوا عَنِ الْبَصْقِ”:-

إذ صار أيوب مكروها من الأشرار يبتعدون عنه وتجاسروا عليه وأمام وجهه بصقوا عليه.
يمثل أيوب هنا ربنا يسوع إذ فعل به اليهود هذا كما في (مر١٠: ٣٤، لو١٨: ٣٢)، وقد قال ق.إغريغوريوس في قداسه أن ربنا يسوع (لم يستر وجهه عن خزي البصاق) هذا نصيب الأبرار دائما يعيرهم إبليس ويجعلهم أضحوكة للهزء والبصق والظلم.

  • ” ​لأَنَّهُ أَطْلَقَ الْعَنَانَ وَقَهَرَنِي، فَنَزَعُوا الزِّمَامَ قُدَّامِي “:-

علم أيوب أن تجربته هي بسماح من الله وشبهها بأن الشياطين كأنهم أخذوا السماح بإطلاق سهامهم وهم مثل فرسان يركبون خيول للحرب تركوا أو أرخوا اللجام فصارت مسرعة لحربه، وقد استغل أصحاب أيوب هذا السماح بأن أطلقوا لجام صمتهم بأقوال جارحة لتحطيمه.

  • ​” عَنِ الْيَمِين الْفُرُوخ (السفلة) يَقُومُونَ، يُزِيحُونَ رِجْلِي، وَيُعِدُّونَ عَلَيَّ طُرُقَهُمْ لِلْبَوَارِ”:-

عن اليمين هم المقاومين من الداخل سواء المنزل أو الكنيسة أما الذين على اليسار هم المضطهدون من الخارج فهم من الداخل أي مثل أصحابه يعثرون رجله في فخ أي يرفعونه إلى أعلى ثم يرموه في الفخ ويطئوه بأقدامهم هكذا صار أيوب مثل طين الشوارع سواء للذين في الخارج أو الذين في الداخل.

  • ​” أَفْسَدُوا سُبُلِي. أَعَانُوا عَلَى سُقُوطِي. لاَ مُسَاعِدَ عَلَيْهِمْ “:-

قام الأعداء لأيوب بنزع علامات الطريق بل قطعوا عليه الطريق حتى لا يصل إلى الله، قام الأعداء مع الآخرين واشتركوا معا لسقوط أيوب في تجربته.
أراد ق. أبو مقار السكندري أن يرى مدفن الساحرين اللذين كانا أيام موسى النبي وكان في البرية وكان الطريق إليه صعب والمكان تسكنه الشياطين فعمل علامات في الطريق حتى عندما يعود يعرفه فقرب وصوله تعب ونام فأخذت الشياطين العلامات ووضعتها بجواره، هكذا يريد إبليس أن ننحرف عن الطريق لنسقط ويقطع طريق وصولنا إلى الله لكن الله يعطينا النصرة.

  • ​” يَأْتُونَ كَصَدْعٍ عَرِيضٍ. تَحْتَ الْهَدَّةِ يَتَدَحْرَجُونَ “:-

اعتبر أيوب أعداءه وحتى أصدقاءه مثل شرخ في مبنى ينتشر بسرعة ثم ينهار المبنى وتتدحرج حجارته عليه حتى تميته وكأن حياته سرقت وانهارت وتدحرجت بواسطة الأعداء حتى الموت.
لكن ربنا يسوع إذ صار لنا حجر الزاوية يسند المبنى فلا يهوى(زك٤:٧، أف٢:٢٠).

  • ” ​اِنْقَلَبَتْ عَلَيَّ أَهْوَالٌ. طَرَدَتْ كَالرِّيحِ نِعْمَتِي، فَعَبَرَتْ كَالسَّحَابِ سَعَادَتِي”:-

انقلبت عليه أهوال الحروب من الشياطين والمخاوف من كل جهة.
بعدما كان في نعمة مادية وروحية صارت نعمته كريح تعبر سريعا وتختفي.
سعادته الروحية والمادية عبرت كسحابة صيف إذا أشرقت الشمس بقوة تنقشع فصارت كل نعمته وسعادته كحلم مر سريعا.

  • ​” فَالآنَ انْهَالَتْ نَفْسِي عَلَيَّ، وَأَخَذَتْنِي أَيَّامُ الْمَذَلَّةِ”:-

يترجم ق. إغريغوريوس الكبير “انهالت نفسي” بــ “جفت نفسي”.
فأيوب جفت نفسه وانهارت أيضا هذا دائما يحدث في هذه الحياة حيث يجف الجسد ومعه النفس حتى تزهر النفس وتكون خضراء مزهرة في الأبدية والجسد ينير إذ يتحول لجسد نوراني.
المذلة أصبحت مثل عدو قبض على أيوب وقيده وكأنه مسجون حتى يتم محاكمته وطبعا شعر بذلك من أصحابه وترك الكل له وإساءة زوجته إليه.

  • ​” اللَّيْلَ يَنْخَرُ عِظَامِي فِيَّ، وَعَارِقِيَّ لاَ تَهْجَعُ”:-

الليل اعتبره أيوب كشخص يؤلمه في عظامه ونخر العظام هو أكثر ألم ممكن الإنسان أن يتألمه وعروقه تنبض فيه بألم إذ هي مستيقظة تبث فيه نبض الآلام ولا تهجع ولا تنام أو تسكن حتى بالليل.

  • ​” بِكَثْرَةِ الشِّدَّةِ تَنَكَّرَ لِبْسِي. مِثْلَ جَيْبِ قَمِيصِي حَزَمَتْنِي”:-

بسبب كثرة وشدة المرض على أيوب وقروحه التي تقيحت أصبح لبسه على غير حاله إذ كان يلبس جبة كقاضي لشعبه لكن قد تمزقت ملابسه كما تقيح جسده حتى أصبح غير معروف أنه هو أيوب الذي كانت كل الناس تعرفه بسبب تغير شكل ملابسه، بل أنه أصبح مقيد من ملابسه التي التصقت بجسده مثلما يخيط جيب على الجلباب فيقيد جزء من ملابس الجلباب داخله.
ينظر الآباء في تفسيرهم دائما إلى الملابس أنها ترمز للجسد فقد تغير شكل جسده وأصبح غير معروف عند عارفيه وقيده جسده بالقروح التي أجلسته بين الهشيم وكأنه في مزبلة.

  • ​” قَدْ طَرَحَنِي فِي الْوَحْلِ، فَأَشْبَهْتُ التُّرَابَ وَالرَّمَادَ “:-

في ترجمة الفولجاتا يترجم عبارة “أشبهت التراب والرماد” بــ “صرت تراب ورماد”.
حقا لقد طرح الله أيوب في الوحل أي الطين لكن المتضعين يعرفون حقيقة أنفسهم أنهم تراب ورماد حتى أن أبو الآباء إبراهيم عندما تشفع في سدوم وعمورة اعترف أنه تراب ورماد (تك١٨: ٣٧)، فإن الإنسان مهما أخذ من مجد فإنه تراب وإلى التراب يعود هذه حقيقته وطبيعته التي أخُذ منها.
وكان الشرقيون عندما يحزنون يجلسون على التراب ويأخذون منه ويضعوه على رؤوسهم.

  • ” ​إِلَيْكَ أَصْرُخُ فَمَا تَسْتَجِيبُ لِي. أَقُومُ فَمَا تَنْتَبِهُ إلى”:-

في الشدة يصرخ أيوب ككل بني البشر إلى الله لكن الاستجابة تختلف بسبب أنه قد يطلب الإنسان أشياء ليس في صالحه أن يأخذها لكنها تضره ولا يستجاب له فورا بل في الوقت الملائم لتزكيته واتضاعه فقد استجاب الله لأيوب لكن في الوقت الملائم عندما تزكى في صبره وصار أمثولة بين كل البشر.
يتكلم أيوب وكأن الله لا ينتبه إلى شخصه (أيوب) أو حتى إلى طلبه لكن الله يتأنى والإنسان يتسرع لكن الله يعطي الطعام في حينه في وقت مناسب يعين الله الإنسان وفي وقت مقبول يخلصه من تجاربه.

  • ​” تَحَوَّلْتَ إِلَى جَافٍ مِنْ نَحْوِي. بِقُدْرَةِ يَدِكَ تَضْطَهِدُنِي”:-

يتعجب أيوب لماذا الله محبوبه في جفاف نحوه أو قاسي عليه كما في ترجمة اليسوعيين وأن يده أي ابنه يضطهده، لماذا صار الله الذي يعرفه جيدا وكانت له صداقة قديمة معه منذ صباه (أيوب) صار عدوا له؟ هذا هو إحساس داخل آتون التجارب لكن الله يضع الإنسان في آتون التجربة حتى يتشكل الإنسان بقوة وينضج في كل تجربة من التجارب التي هي بمقياس دقيق لدى الله.

  • ​” حَمَلْتَنِي، أَرْكَبْتَنِي الرِّيحَ وَذَوَّبْتَنِي تَشَوُّهًا”:-

تترجم كلمة حملتني في بعض الترجمات (اليسوعية) خطفتني وفي ترجمة NKJ رفعتني.
وكأن أيوب في فترة رخائه حمل أو ارتفع إلى أعلى لكنه جلس كما على الرياح ليسقط متحطما، هكذا مجد هذا العالم قبض الريح يرتفع سريعا مثل الرياح لكنه لا يدوم بل يزول سريعا حتى يعود إلى التراب الذي أخذ منه.

  • ​” لأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ إِلَى الْمَوْتِ تُعِيدُنِي، وَإِلَى بَيْتِ مِيعَادِ كُلِّ حَيٍّ”:-

يعلم أيوب أنه تراب ومن التراب أخذ فهو سيعود إلى التراب مرة أخرى عابرا إلى بيت كل حي في العهد القديم وهو الجحيم أو الهاوية سواء أبرار أو أشرار، لكن عندما صلب ربنا يسوع ومات بالناسوت نزل وفتح الجحيم وكرز للأرواح التي هناك وأخذ الأبرار إلى الفردوس، هكذا علم أيوب مصيره كأحد أبناء العهد القديم.

  • ​” وَلكِنْ فِي الْخَرَابِ ألا يَمُدُّ يَدًا ؟ فِي الْبَلِيَّةِ ألا يَسْتَغِيثُ عَلَيْهَا ؟”:-

يخاطب أيوب الله بحكمة ويقول له صحيح أن الله يسمح بالتجارب والخراب والبلية لكن يثق أن يده أي ابنه الوحيد ربنا يسوع يأتي بنفسه لينقذ البشرية أو أيوب من هذه التجارب التي هي إلى حين.

  • ​” أَلَمْ أَبْكِ لِمَنْ عَسَرَ يَوْمُهُ ؟ أَلَمْ تَكْتَئِبْ نَفْسِي عَلَى الْمِسْكِينِ ؟”:-

خاطب أيوب الله بحكمة عملية وقال أنه في أيام رخائه أنه كان يمد يده لمن عسر من أي شيء لأي إنسان، وكان يكتئب على المساكين ويمد يد العون لهم فإن كان أيوب كبشر فعل ذلك أليس من حقه أو أنه يترجى طلب ذلك من الله إذ صار في حالة يائسة وصار مسكينا فالله يمد له يد العون ويعامله بحب كما أحب أيوب الآخرين فأيوب يطلب أن يعامله الله كما عامل هو المساكين والمعسرين.

  • ​” حِينَمَا تَرَجَّيْتُ الْخَيْرَ جَاءَ الشَّرُّ، وَانْتَظَرْتُ النُّورَ فَجَاءَ الدُّجَى”:-

كان أيوب قد ترجى الخير نظير ما يقدمه من خير للمحتاجين والمساكين والمعوزين والسائلين إياه وإذ كان ينير على الذين في التجارب فكان ينتظر خير ونور مقابل ما يفعله فإذ تحل به التجارب (الشرور) يحل به ظلام اليأس لا نور الرجاء.

  • ​” أَمْعَائِي تَغْلِي وَلاَ تَكُفُّ. تَقَدَّمَتْنِي أَيَّامُ الْمَذَلَّةِ”:-

يعبر هنا أيوب عن الكنيسة المنتظرة عريسها تعيش في الأرض متألمة في آلام دائمة لكنها في صبر وسلام حتى في أيام الضيق الذي سيحل عليها قبل المجيء الثاني تظل بروحها الصبورة منتظرة عريسها.

  • ​” اِسْوَدَدْتُ لكِنْ بِلاَ شَمْسٍ. قُمْتُ فِي الْجَمَاعَةِ أَصْرُخُ “:-

يمثل أيوب الكنيسة التي أسودت ليس من شمس تجاربها بل من تجارب أبنائها صارت تصرخ إلى الله لأجل خلاص كل أحد، صرخ أيوب ليس من أجل نفسه بل من أجل البؤساء حتى عندما كان في رخاء لأنه كان يخدم الآخرين ومحبا لهم للغاية.

  • ​” صِرْتُ أَخًا لِلذِّئَابِ، وَصَاحِبًا لِرِئَالِ النَّعَامِ “:-

إذ صار أيوب في تجاربه لم يوجد من يسنده حتى أصحابه أو أخوته وزوجته تخلوا عنه ويبدو أن أقاربه تركوه فصار أخا للذئاب والتنانين كما تقول بعض الترجمات رغم أن الذئب يسفك الدماء وهكذا التنين لكن لا يفصل بينهم في هذه الحياة إذ يوجد البار مع الأثيم القمح مع التبن والورد ينمو وسط الشوك لكن في يوم الدينونة يحدث الفصل التام.
صار صاحبا للنعام والنعامة لها مظهر الطيور إذ لها أجنحة لكنها لا تستطيع الطيران وعندما تحل التجارب تدفن رأسها في الرمل إذ لا تستطيع أن تهرب هكذا صار أيوب وسط المرائين وغير مفصول عنهم لكونه كاملا وبارا، هكذا في كل الأجيال يوجد من هو بار يعيش مع من هو غير ذلك مثل إبراهيم كان له إسحق ابن الموعد وإسماعيل وإسحق كان له يعقوب القديس وعيسو المستبيح ويعقوب كان له ١٢ ابنا باع الــ ١١ أخاهم يوسف.

  • ” ​حَرِش (أسود) جِلْدِي عَلَيَّ وَعِظَامِي احْتَرَّتْ مِنَ الْحَرَارَةِ فِيَّ “:-

الجلد يشير إلى الضعفاء الذين أسودوا من التجارب والذين تحمل الكنيسة همهم حتى يقوموا.
العظم يشير إلى الأقوياء الذين يئنون على ضعف الضعفاء كما قال معلمنا بولس “من يضعف وأنا لا أضعف، من يعثر وأنا لا ألتهب” إذ كان أيوب كعظم محترق على الذين يسقطون.

  • ​” صَارَ عُودِي لِلنَّوْحِ، وَمِزْمَارِي لِصَوْتِ الْبَاكِينَ “:-

أوتار العود وثقوب المزمار هما النفس أو الروح التي يلعب عليها الروح القدس ويحركها فتصدر نغما معزيا يبهج الإنسان والله في حياة حب رائعة.
لكن عندما تحل التجارب يكون انحراف للأوتار إذا ضرب عليها بشدة تصدر صوت مزعج هكذا من يبالغ في الفضيلة بغير اعتدال وإفراز وأيضا عندما يضرب على الوتر يضعف فيصدر صوتا خافتا هكذا من لا يجاهد في الفضيلة فإنه يكون غير ضابط لجسده ونفسه تنحل.
هكذا صار أيوب يمثل الكنيسة في حزنها على الساقطين الضعفاء وفي ألم على المتكبرين الذين يتشامخون بقوتهم وكبريائهم.
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]
 

Leave a Comment