كتاب تفسير سفر ايوب – الإصحاح السابع والثلاثون – القمص مكسيموس صموئيل

الإصحاح السابع والثلاثون

اسمعوا سماعا رعد صوته والدوي الخارج من فمه

 

  • ” فَلِهذَا اضْطَرَبَ قَلْبِي وَخَفَقَ مِنْ مَوْضِعِهِ “:-

يبدو قبل ظهور الله لأيوب في الإصحاح القادم أن أليهو أحس بدوي رياح فاضطرب والاضطراب لأجل التغيرات الجوية قد يكون للأبرار كما للأشرار.
فللأشرار قيل عن الإمبراطور العاتي كاليجولا أنه عندما كان يسمع صوت الريح والرعود والبروق إما أن ينزوي في مكان ما أو يختبئ مثل طفل تحت سريره.
أما أليهو فهذا يجعله يرتفع ويدهش من عظمة الله ليتأمل فيه وكأنه هيكل الله إذا حل فيه الله اهتز لمجد الله.
وكثير من الآباء وصلوا لدرجة عالية أنهم عند رفع أياديهم للصلاة كان يختطف عقلهم بالكامل إلى السموات ليعاينوا مجد الله مثل الأنبا أنطونيوس والأنبا مكاريوس الكبير والإسكندراني والأنبا باخوميوس والأنبا شيشوي.
هكذا يحدثنا أيضا إشعياء النبي عن اهتزاز أعتاب الهيكل عندما رأى ربنا يسوع جالسا على كرسي عال وأذياله تملأ الهيكل في (إش ٦).

  • ” ​اسْمَعُوا سَمَاعًا رَعْدَ صَوْتِهِ وَالرمْزَمَةَ (والدوي) الْخَارِجَةَ مِنْ فِمه “:-

دائما صوت الله مصاحب له الرعود والبروق والرياح مثلما استلم موسى النبي الشريعة على جبل حوريب وسط هذه الظواهر (خر١٩: ١٦؛ ٢٠: ١٨).
والرياح العاصفة دائما تصاحب ظهور الله (مز٢٩: ٣، ٨، ٢صم٢٢: ١٤، مز٧٧: ١٨؛ ٩٧: ٤؛ ١٣٥: ٧؛ إر٣٠: ١٣، ١٦).
وهذه الظواهر تعني الكثير فالرياح تحطم الشر والأشرار مثلما يقول ” تقلع أرز لبنان المتشامخ”، وتشق البحار مثلما هبت ريح شرقية في البحر الأحمر فعبر بنو إسرائيل البحر وسط اليابسة.
والرعود تمثل سلطان الله وقوته وجبروته.
والبروق تمثل مجد الله الذي يحيط به ولا يستطيع أحد الاقتراب منه.
​” تَحْتَ كُلِّ السَّمَاوَاتِ يُطْلِقُهَا، كَذَا نُورُهُ إِلَى أَكْنَافِ الأَرْضِ “:-
يتحدث هنا عن نور الله في الأرض الذي هو البرق السريع فإنه عجيب، ومن الظواهر المحيرة إذ يظهر من طرف الأرض إلى الطرف الآخر بسرعة هائلة هذا لا شيء جانب نور مجد الله السماوي لذا قال معلمنا بولس عن ربنا يسوع “الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره” (عب١: ٣).
فمجد الرب لا يستطيع أحد أن يتفرس فيه حتى الملائكة فالسيرافيم يسترون وجوههم من مجد الله لأنه لا يستطيع أحد أن يتفرس في مجده بل أن موسى لمع وجهه لما قضى على الجبل ٤٠ يوما مع الله ولبس برقعا من ٧ طبقات حتى يستطيع أن يتكلم مع الشعب.
ولهذا قيل عن أورشليم السمائية لا يوجد بها شمس أو قمر أو نجوم لأن الحمل هو ضياؤها.
يترجم البعض عن العبرية كلمة أطراف الأرض بأجنحة الأرض وكأن الأرض طائر له جناحين.

  • ​” بَعْدُ يُزَمْجِرُ صَوْتٌ، يُرْعِدُ بِصَوْتِ جَلاَلِهِ، وَلاَ يُؤَخِّرُهَا إذ سُمِعَ صَوْتُهُ “:-

يمثل الله بصوت الأسد في قوته فهو بعدما يصدر صوت الرعود وهي الرعود الإلهية والنبوات لا يؤخر عمل النعمة للإنسان كما يصدر صوت الرعود والبروق لا يؤخر نزول المطر هكذا لا يتأخر الله في عمله في النفس البشرية.

  • ” ​اَللهُ يُرْعِدُ بِصَوْتِهِ عَجَبًا. يَصْنَعُ عَظَائِمَ لاَ نُدْرِكُهَا “:-

يمثل صوت الله بالرعد لكنه مليء بالعجب إذ يتعجب منه الإنسان في قوته وفي فعله فصوت الله في كلمته في الكتاب المقدس التي تهز النفوس بمحبة خالقها كما تهز النفوس بالتوبة والاشتياق إلى الله.
عظائم الله في الخليقة من الصعب أن ندركها كلها وعظائم الله في عمله في النفس البشرية في تحويل طاقاتها من الشر إلى الخير هي بسر عجيب.

  • ​” لأَنَّهُ يَقُولُ لِلثَّلْجِ: اسْقُطْ عَلَى الأَرْضِ. كَذَا لِوَابِلِ الْمَطَرِ، وَابِلِ أَمْطَارِ عِزِّهِ “:-

يصف أليهو ما يحدث في الشرق عندما تبرد مياه البحر وتسقط الأمطار في صورة قطع ثلجية تعطي بهاء للأرض بلون الثلج الأبيض ويغطي الجبال وقممها بالأخص جبل حرمون بشكل ثلجي رائع.
وهذا كله له رمز ورموز، فالثلج يعكس بهاء لاهوت الابن الذي تجسد ونزل إلينا من السماء لكن كونه هشاً فهو أخذ جسدا أو ناسوتا ضعيفا في طبيعته، هكذا اتخذ الله الكلمة لنفسه ناسوتا خاص به كما قال ق. كيرلس الكبير.

  • ​” يَخْتِمُ عَلَى يَدِ كُلِّ إنسان، لِيَعْلَمَ كُلُّ النَّاسِ خَالِقَهُمْ “:-

هنا بين ترتيب الله للخليقة إذ يجعل في أيام الشتاء سكون وعدم عمل وذلك ليتأمل الإنسان في أعمال الله في خليقته وليفحص الإنسان خطاياه، ثم في الصيف أو بعد الشتاء يخرج للعمل فيعرف الإنسان أنه ضعيف لأن فضل القوة هو من الله.

  • ​” فَتَدْخُلُ الْحَيَوَانَاتُ الْمَآوِيَ، وَتَسْتَقِرُّ فِي أَوْجِرَتِهَا “:-

هنا يتأمل أليهو في الحيوانات غالبا المفترسة التي تدخل المأوى في الشتاء وتستقر لتخرج في فصل الربيع والصيف وهي ترمز لإبليس وجنوده الذين يثيرون في نفوس البشر الوحشية والشراسة ضد أخوانهم من بني البشر لإثارة الغضب والفخاخ.

  • ​” مِنَ الْجَنُوبِ تَأْتِي الأَعْصَارُ، وَمِنَ الشَّمَالِ الْبَرَدُ. مِنْ نَسَمَةِ اللهِ يُجْعَلُ الْجَمْدُ، وَتَتَضَيَّقُ سِعَةُ الْمِيَاهِ “:-

الأعصار أو الرياح من الشمال تمثل حروب إبليس والتجارب المدمرة التي تبرد حياتنا الروحية أما رياح الجنوب الحارة فهي تهب فتنضج الثمار أي تهب ثمار الروح القدس في جنة قلوبنا.
فروح الله يهب فالبعض يقسي قلبه ضد الله مثل الجليد مثل اليهود وبروحه أيضا يجعل هؤلاء القساة يلينون بعمل الروح القدس فيهم مثل مياه المطر مثلما صلب اليهود ربنا يسوع وعندما حل الروح القدس آمن ٣٠٠٠ من اليهود من ١٥ منطقة في العالم.

  • ​” أيضا بِرِيٍّ يَطْرَحُ الْغَيْمَ. يُبَدِّدُ سَحَابَ نُورِهِ “:-

يطرح الله الغيم أي السحب على الأرض في صورة مطر.
وأيضا بطريقة أخرى يبدد السحاب بواسطة إشراق الشمس.
وهنا الغيم الذي يهطل مطرا يمثل عمل الروح القدس في النفس.
والسحاب الذي نور الشمس يبيده هو نور الله بواسطة عمل روحه القدوس فينا وبوسائط النعمة يبدد سحب الخطايا الكثيفة فينا.

  • ​” فَهِيَ مُدَوَّرَةٌ مُتَقَلِّبَةٌ بِإِدَارَتِهِ، لِتَفْعَلَ كُلَّ مَا يَأْمُرُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ الْمَسْكُونَةِ “:-

تدور السحب من مكان إلى مكان ليس حسب أهوائها بل حسب إرادة الله لتعمل ما يأمرها الله لتروي الأرض.
فإذا كان الجماد يطيع الله أفلا يستطيع الإنسان ويطيع مدبري الشعب!! “حيث لا تدبير يسقط الشعب، والخلاص بكثرة المشيرين”.

  • ​” سَوَاءٌ كَانَ لِلتَّأْدِيبِ أو لأَرْضِهِ أو لِلرَّحْمَةِ يُرْسِلُهَا “:-

فالمطر بواسطة السحاب يكون لتأديب سكان الأرض على خطاياهم كما حدث في الطوفان في العهد القديم (تك٧: ١١، ١٢)، أو لرحمة ربنا للأرض والسكان فيها لتثمر لأجل الإنسان محبوب الله.
ويلاحظ هنا دعوة الأرض هي أرض الله لأنه خالقها (مز٢٤: ١).

  • ​” اُنْصُتْ إِلَى هذَا يَا أيوب، وَقِفْ وَتَأَمَّلْ بِعَجَائِبِ اللهِ. أَتُدْرِكُ انْتِبَاهَ اللهِ إِلَيْهَا، أو إِضَاءَةَ نُورِ سَحَابِهِ؟”:-

دعى أيوب أن يترك أحزانه ويتأمل عجائب الله في الخليقة حتى يمتلئ قلبه بحب الله، يتأمل كيف تتحرك السحب وكيف ينتج البرق الذي يضيئها (مز١١١: ٢).

  • ​” أَتُدْرِكُ مُوازَنَةَ السَّحَابِ، مُعْجِزَاتِ الْكَامِلِ الْمَعَارِفِ ؟”:-

يتبخر الماء إلى الهواء ليصبح بخارا سابحا لمدة ما في توازن ودقة علمية عجيبة معجزية لله خالق الكون، والعلم الحديث اكتشف البعض منها لكن لازال هناك الكثير من أسرار الله العجيبة.

  • ​” كَيْفَ تَسْخُنُ ثِيَابُكَ إذا سَكَنَتِ الأَرْضُ مِنْ رِيحِ الْجَنُوبِ ؟”:-

بطريقة تهكمية من أليهو سأل أيوب عن عمل الله في الطبيعة كيف عندما تهب ريح الجنوب تجعل ثيابه ساخنة.
وإن كانت ريح الجنوب عند الآباء في تفسيرهم لسفر النشيد وغيره من الأسفار تمثل الرياح التي تساعد على نضوج الثمار (نش٤: ١٦).

  • ​” هَلْ صَفَّحْتَ مَعَهُ الْجَلَدَ الْمُمَكَّنَ كَالْمِرْآةِ الْمَسْبُوكَةِ ؟”:-

هنا يتكلم عن الجلد بطريقة علمية لم يكتشفها إلا العلم الحديث عن الجلد وهو الغلاف الجوي الذي من عمله عدم السماح للأشعة الكونية الضارة الآتية من الخارج للنفاذ إلى الأرض، وأيضا عملها كمرآة إذ تعكس ضوء الشمس وتمنع تسرب حرارتها في فترة النهار فتعطي الدفء وهي أحد فوائد الغلاف الجوي الذي لم يكشفه إلا العلم الحديث.

  • ​” عَلِّمْنَا مَا نَقُولُ لَهُ. إِنَّنَا لاَ نُحْسِنُ الْكَلاَمَ بِسَبَبِ الظُّلْمَةِ !”:-

يتكلم أليهو إلى أيوب الذي طلب أن يقف أمام الحضرة الإلهية بأنه حتى لو كان يحسن الكلام وأنه حكيم جدا لكن جميع البشر هم لا يعرفون شيئا مقابل معرفة الله، هم بالنسبة له ظلمة وهو النور، النور الحقيقي فعقول البشر مظلمة مهما وصلت لمعرفة.

  • ​” هَلْ يُقَصُّ عَلَيْهِ كَلاَمِي إذا تَكَلَّمْتُ؟ هَلْ يَنْطِقُ الإنسان لِكَيْ يَبْتَلِعَ ؟”:-

أي لا يستطيع الإنسان أن يتكلم أمام الله من رهبته وإن تكلم هل لا يلام إذا وجد في كلامه خطأ؟ لكنه في الحقيقة لن يستطيع أن ينطق ببنت شفة.

  • ​” وَالآنَ لاَ يُرَى النُّورُ الْبَاهِرُ الَّذِي هُوَ فِي الْجَلَدِ، ثُمَّ تَعْبُرُ الرِّيحُ فَتُنَقِّيهِ”:-

نور الشمس رغم قوته فإن سحابة قد تحجبه ثم تهب ريح فتبدد السحابة ويرى بعد ذلك نور الشمس بأكثر جلاء.
فإن الإنسان لا يستطيع أن يرى الله وجها لوجه بسبب طبيعة الإنسان الضعيفة لكن خطايا الإنسان أيضا تحجب عنه وجه الله لكن يهب روح الله القدوس فيرى الإنسان بالنعمة الله بأكثر جلاء حسب إعلان الله نفسه للإنسان.

  • ​” مِنَ الشَّمَالِ يَأْتِي ذَهَبٌ. عِنْدَ اللهِ جَلاَلٌ مُرْهِبٌ “:-

وفي الترجمة السبعينية “السحب تتلألأ مثل الذهب”.
إذ كانت أورشليم مدينة الله في الجنوب فمدينة الأمم في الشمال تمثل الأعداء ومدنهم التي حاولت احتلال أورشليم مثل نينوى عاصمة أشور في العراق وبابل وعندما ارتفع الشيطان أراد أن يرفع كراسيه فوق كراسي العلي في الشمال (إش١٤: ١٢، ١٣).
لكن في العهد الجديد أتى المجوس من الشمال الشرقي بذهب وأعلنوا عن أنه حجر الزاوية الذي يضم في كنيسته الذين من أصل يهودي والذين من أصل أممي وأعلنوا عن أن ربنا يسوع هو ملك الملوك ورب الأرباب.
ويبدو أن أليهو لمح مجيء السحب المصاحبة لله من الشمال ذهبية اللون من كثرة مجده.

  • ” ​الْقَدِيرُ لاَ نُدْرِكُهُ. عَظِيمُ الْقُوَّةِ وَالْحَقِّ، وَكَثِيرُ الْبِرِّ. لاَ يُجَاوِبُ. لِذلِكَ فَلْتَخَفْهُ النَّاسُ. كُلَّ حَكِيمِ الْقَلْبِ لاَ يُرَاعِي “:-

أحس أليهو بقدوم الله مع الريح والسحب الذهبية التي تعكس مجده فقال صعب على الخليقة أن تدرك الله وبالتالي ليس من حقها إن كانت لا تعلم حكمة الله أن تستجوب الله في أي سؤال، فمن هو الحكيم أمام حكمة الله الكلية فهو لا شيء وكأن أليهو أعطى المجد لله في نهاية حديثه غير نهاية أحاديث أصحابه الثلاثة.
[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment