كتاب تفسير سفر ايوب – الإصحاح التاسع والثلاثون – القمص مكسيموس صموئيل

الإصحاح التاسع والثلاثون

أتعرف وقت ولادة وعول الصخور ؟

 

  • ” أَتَعْرِفُ وَقْتَ وَلاَدَةِ وُعُولِ الصُّخُورِ، أو تُلاَحِظُ مَخَاضَ الأَيَائِلِ؟”:-

هنا يبدي الله لأيوب مدى حبه ورعايته ليس للإنسان محبوبه فقط بل ولا للحيوانات المستأنسة فقط لكن أيضا للحيوانات التي تعيش في البرية ولا أحد يرعاها.
من ضمن هذه الحيوانات الأيائل أي الغزلان الصغيرة فهي تصطاد الأفاعي والأفاعي تحاول عضها في أرجلها وهي تذهب لتشرب ماء حتى ترتوي من أثر سم الأفاعي.
وهي بهذا ترمز للقديسين الذين يهربون إلى الله فيهاجمهم إبليس لكنهم يهربوا بالارتواء من الروح القدس بوصايا الإنجيل.
وأيضا الأيائل عندما تلد لا تجد من يهتم بها سوى الله لأنها تلد بين الصخور وهي ترمز للمعلمين الذين يلدوا أبناءهم بواسطة وصايا الإنجيل وحب الخلوة والبعد عن العالم.

  • ​” أَتَحْسُبُ الشُّهُورَ الَّتِي تُكَمِّلُهَا، أو تَعْلَمُ مِيقَاتَ وَلاَدَتِهِنَّ ؟”:-

لا يستطيع الإنسان معرفة عدد شهور حمل الأيائل لأن هذا عُرف في العلم الحديث لكن قديما كان صعب فإن كان الإنسان لايعرف هذا فكيف يعرف فكر الله تجاهه وعنايته به؟
​” يَبْرُكْنَ وَيَضَعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ. يَدْفَعْنَ أَوْجَاعَهُنَّ “:-
إذ لا أحد يهتم بميلاد الأيائل فيهتم بها الله، يبركن أي يجلسن ويدفعن وهن حوامل أولادهن خارجا فيزول الألم عنها هكذا قال معلمنا بولس أنه يتمخض بأولاده في الإنجيل حتى يلدهم في المسيح (غل٤: ١٩).

  • ​” تَبْلُغُ أَوْلاَدُهُنَّ. تَرْبُو فِي الْبَرِّيَّةِ. تَخْرُجُ وَلاَ تَعُودُ إِلَيْهِنَّ “:-

إذ تلد الأيائل لا تحتاج وقت طويل إلى الرضاعة وإلى المشي عكس الإنسان لكنها بعد زمن قصير تمشي وتذهب بأنفسها (الأيائل الصغيرة المولودة) لتبحث عن طعامها بنفسها ولا تعود لأمها.
​” مَنْ سَرَّحَ الْفَرَاءَ حُرًّا، وَمَنْ فَكَّ رُبُطَ حِمَارِ الْوَحْشِ ؟”:-
الله يعطي تلك الحيوانات الحياة في البرية فلا يقدر إنسان أن يضع عليها نير أو حمولة لكنها تنطلق إلى البرية حيث يعولها الله وهي تحيا حرة، وهي تمثل الإنسان الذي ينطلق نحو الله عندما تحيط به ضوضاء العالم ومشاغله فإنه يهرب إلى الله وكأنه في برية كما قال إشعياء النبي “بالرجوع والسكون تخلصون، بالهدوء والطمأنينة تكون قوتكم” (إش٣٠: ١٥).

  • ​” الَّذِي جَعَلْتُ الْبَرِّيَّةَ بَيْتَهُ وَالسِّبَاخَ مَسْكَنَهُ “:-

تترجم هذه الآية “الذي جعلت البرية بيته وفي الأرض المالحة مسكنه”: هنا بين حرية الحمار الوحشي لأن الحمار العادي يغلق عليه في حظيرة أو بيت أما الحمار الوحشي البرية كلها مسكنه وإن كان دائم العطش بسبب جفاف وملوحة البرية ومياهها لكنه يعيش حرا.
يرمز الحمار الوحشي الذين اعتزلوا العالم وجالوا عطشى لنعم الله، عطشى بالجسد لكن مملوئين بالروح القدس ومواهبه المتعددة وثماره أيضا.

  • ​” يَضْحَكُ عَلَى جُمْهُورِ الْقَرْيَةِ. لاَ يَسْمَعُ زَجْرَ السَّائِقِ “:-

المعنى البسيط هو أن الحمار الوحشي مهما حاول عدد من أهالي القرية حبسه لا يقدرون فهو يهرب منهم.
وأيضا الحمار الأليف يخاف سائقه لئلا يضربه لكن الوحشي لا يوجد من يسوقه.
والحمار الوحشي يشير إلى آباء البرية الذين أحبوا حياة الوحدة والسكون في البراري مثلما كان الحال في مصر في القرون الأولى وإلى اليوم.

  • ​” دَائِرَةُ الْجِبَالِ مَرْعَاهُ، وَعَلَى كُلِّ خُضْرَةٍ يُفَتِّشُ “:-

هنا بين أن الحمار الوحشي يبحث عن الجبال ليجد مرعاه فيها حيث الخضرة.
وترمز الجبال العالية الخضراء لشيئين :-
مساعدة الملائكة لنا إذ هم أرواح خادمة للعتيدين أن يرثوا الخلاص.
أيضا إلى وصايا الإنجيل والتأمل فيها وهي علو الروح وسموها وغذائها.

  • ​” أَيَرْضَى الثَّوْرُ الْوَحْشِيُّ أن يَخْدُمَكَ، أَمْ يَبِيتُ عِنْدَ مِعْلَفِكَ؟ أَتَرْبِطُ الثَّوْرَ الْوَحْشِيَّ بِرِبَاطِهِ فِي التَّلْمِ (بحبل إلى خط المحراث)، أَمْ يُمَهِّدُ الأَوْدِيَةَ وَرَاءَكَ ؟”:-

الثور الوحشي هو حيوان وحيد القرن وعند الآباء في شروحاتهم يرمز للكبرياء.
إذ القرن يمثل السلطان الملوكي كما يمثل عنف المتكبرين (مز٧٥: ٤).
فالمتكبر لا يأكل من ثمر الإنجيل ووصايا الله بل الفلسفة الفارغة لهذا قيل عنه أنه لا يبيت عندك ولا يأكل من معلفك أي من وصايا الإنجيل التي تأكل منها الحيوانات المستأنسة. ولا يعمل عمل مفيد مثل حرث الأرض أو استخدامه في الزراعة.

  • ​” أَتَثِقُ بِهِ لأَنَّ قُوَّتَهُ عَظِيمَةٌ، أو تَتْرُكُ لَهُ تَعَبَكَ؟ أَتَأْتَمِنُهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِزَرْعِكَ وَيُجْمَعُ إِلَى بَيْدَرِكَ ؟”:-

إن كانت الحيوانات المفترسة مثل وحيد القرن الغير أليف أقوى لكنها لا تفيد الإنسان بل الحيوانات الأليفة مثل الحمار أو الثور، يمكن أن يحمل الحمار أحمالا ثقيلة ويربط الثور بالمحراث ويتركها لصبي صغير يقودها وبهذا تفيد الإنسان، والبعض يرى سر أنها أليفة هو تعاملها مع الإنسان جعلها أضعف من الحيوانات المفترسة الوحشية.

  • ” جَنَاحُ النَّعَامَةِ يُرَفْرِفُ. أَفَهُوَ مَنْكِبٌ رَؤُوفٌ، أَمْ رِيشٌ؟ لأَنَّهَا تَتْرُكُ بَيْضَهَا وَتُحْمِيهِ  فِي التُّرَابِ، وَتَنْسَى أن الرِّجْلَ تَضْغَطُهُ، أو حَيَوَانَ الْبَرِّ يَدُوسُهُ “:-

النعامة لها أجنحة كبيرة مثل النسور ومثل طائر يسمى مالك الحزين مع الفارق أن النعامة لها جسم كبير لهذا لا تستطيع الطيران، أما النسور ومالك الحزين لأن لهم جسم صغير وأجنحة كبيرة يستطيعوا الطيران، فالنعامة تمثل الذين لهم مظاهر الفضائل الروحية لكنهم لا يمتلكوا السلوك بها والتحليق إلى السموات.
حتى عندما تثمر وتبيض تترك بيضها ولا ترقد عليه لتعطيه الدفء لكن الله يعطيه الدفء بواسطة أشعة الشمس فيفقس وهذا مثال للكارزين الذين يثمرون ويتركوا أولادهم الذين ولدوهم في الإنجيل لكن نعمة الله تعمل بهم لكنهم معرضون للتحطيم بواسطة أهل العالم لأن النعامة تترك البيض فيضغطه حيوان أو رجل إنسان فيتحطم.

  • ​” تَقْسُو عَلَى أَوْلاَدِهَا كَأَنَّهَا لَيْسَتْ لَهَا. بَاطِلٌ تَعَبُهَا بِلاَ أَسَفٍ. ​لأَنَّ اللهَ قَدْ أَنْسَاهَا الْحِكْمَةَ، وَلَمْ يَقْسِمْ لَهَا فَهْمًا، عِنْدَمَا تُحْوِذُ نَفْسَهَا إِلَى الْعَلاَءِ، تَضْحَكُ عَلَى الْفَرَسِ وَعَلَى رَاكِبِهِ”:-

إذ تكون النعامة بلا حكمة قاسية على أولادها إذ تتركهم ولا ترعاهم مثل سائر الطيور أو حتى الحيوانات فهي تمثل الذين لا يبالون بأولادهم سواء الروحيين أو الجسديين من الناحية الروحية على عكس الكارزين الحقيقيين مثل معلمنا بولس(رو١: ٩- ١١).
لكنها متى هاجمها حيوان مثل الفرس فإنها تجري بسرعة ورشاقة أعطاها لها الله فلا يلحق بها إذ تضحك عليه، وهذا يعطينا فكرة رغم أحيانا عدم حكمة البعض أو بساطتهم لكن لا يترك الله المتكبرين مثل الفرس ليحطموا البسطاء.

  • ​” هَلْ أَنْتَ تُعْطِي الْفَرَسَ قُوَّتَهُ وَتَكْسُو عُنُقَهُ عُرْفًا؟ ​أَتُوثِبُهُ كَجَرَادَةٍ؟ نَفْخُ مِنْخَرِهِ مُرْعِبٌ”:-

يتكلم عن قوة الفرس ثم جماله.
قوة الفرس في الكتاب المقدس لها معنيين :-

  1. تعني سلبيا الاتكال على الذات والإمكانيات الذاتية لهذا يقول في المزمور ” أن الله لا يسر بساقي الرجل ولا بقوة الفرس” (مز١٤٧: ١٠).
  2. تعني الطاقات التي تستغل في عمل الله سواء للإنسان العادي أو الخدام أو الكارزين (أم٢١: ٣١) عندما يتكلوا على الله على ما أعطاهم الله من قوة حتى تنبأ حبقوق عن نزول ربنا يسوع إلى نهر الأردن مثلما تساق الخيل في معركة للحرب ضد إبليس (حب٣: ١٥).

جماله الذي يعطى له من الله هو شعر الخيل فوق رأسه وعلى رقبته يكون جميلا جدا وناعما جدا مثل عرف على رأسه.
إن قوة الخيل هي في الحرب ليس مثل الحشرات ومنها الجراد التي ينفخ فيها الإنسان فتطير خوفا بل أن الخيل نفخة أنفه في الحرب مرعبة للأعداء وهو مخلص جدا لصاحبه حتى لو أدى ذلك إلى فقدان حياته.

  • ​” يَبْحَثُ فِي الْوَادِي وَيَنْفِزُ بِبَأْسٍ. يَخْرُجُ لِلِقَاءِ الأَسْلِحَةِ. يَضْحَكُ عَلَى الْخَوْفِ وَلاَ يَرْتَاعُ، وَلاَ يَرْجعُ عَنِ السَّيْفِ. عَلَيْهِ تَصِلُّ السِّهَامُ وَسِنَانُ الرُّمْحِ وَالْمِزْرَاقِ “:-

هنا يتكلم عن شجاعة الخيل في الحرب التي تهب للفارس شجاعة في الحروب.
فهو يقفز بقوة من على الأرض كأنه يود أن يطير إلى السماء.
لا يهتم بأي سلاح يوجه قدامه سواء كان سيف أو سهام موضوع بها سموم والتي تؤدي إلى الموت الفوري، ولا يخاف من الرماح ولا الحربة القصيرة العصا، بل حتى لو أصيب بهم يتقدم في الحرب لأجل إخلاصه لصاحبه.

  • ​” فِي وَثْبِهِ وَرُجْزِهِ (وغضبه) يَلْتَهِمُ الأَرْضَ، وَلاَ يُؤْمِنُ أَنَّهُ صَوْتُ الْبُوقِ، عِنْدَ نَفْخِ الْبُوقِ يَقُولُ: هَهْ! وَمِنْ بَعِيدٍ يَسْتَرْوِحُ الْقِتَالَ صِيَاحَ الْقُوَّادِ وَالْهُتَافَ”:-

لا يهتم الخيل في غضبه في الحرب بطول الأرض فهو يقطعها بسرعة كمن يأكلها، ولا يخاف صوت البوق بل كمن يزيح عنه القتال ويصيح بصهيله صيحة النصرة وهتافها.
ويمثل الخيل هنا الإنسان الروحي الذي لا يخاف من حروب إبليس بل هو مستعد كل حين، عندما يدعو الأمر للقتال مع إبليس يتكل على الله ويصيح صيحة النصرة.

  • ​” أَمِنْ فَهْمِكَ يَسْتَقِلُّ الْعُقَابُ وَيَنْشُرُ جَنَاحَيْهِ نَحْوَ الْجَنُوبِ؟ أو بِأَمْرِكَ يُحَلِّقُ النَّسْرُ وَيُعَلِّي وَكْرَهُ؟”:-

يعطي الله درسا آخر لأيوب عن النسور وسلوكها.
يهرب النسر من الشمال من الأماكن الباردة إلى الجنوب حيث الأماكن الدافئة خصوصا عند تغيير ريشه حيث يتجدد ويجدد حيويته.
الجناحان يرمزان لعطايا الله وتجديد الريش على المعمودية حيث الميلاد الثاني وخلع الإنسان العتيق ولبس الجديد الفاخر (٢كو٤: ١٦).
تحليق النسر في الأعالي هو رمز الإنسان القديس الذي يسمو عن العالم إلى فوق مستوى الأرضيات والعالم، وبفرد جناحيه يرمز للإنسان الذي يفتح قلبه بالاعتراف بخطاياه.
ولكن عندما بقوة بصره يشاهد الفريسة وينزل ويقتنصها فهو يرمز للأشرار الذين يلتهمون المساكين كفريسة لهم.

  • ​” يَسْكُنُ الصَّخْرَ وَيَبِيتُ عَلَى سِنِّ الصَّخْرِ وَالْمَعْقَلِ “:-

النسر يعتمد على سكنى الصخرة والصخرة هي ربنا يسوع فيكون له حصن ضد الشرير. أما الذي يتحصن بالشر فالشر لا يفيده بل يضره.

  • ​” مِنْ هُنَاكَ يَتَحَسَّسُ قُوتَهُ. تُبْصِرُهُ عَيْنَاهُ مِنْ بَعِيدٍ. فِرَاخُهُ تَحْسُو الدَّمَ، وَحَيْثُمَا تَكُنِ الْقَتْلَى فَهُنَاكَ هُوَ”:-

تمتص فراخه الدم منذ صباها، وتعيش مع النسر الكبير على الفريسة.
هناك معنيان للنسور :-

  1. الأول النفوس الحقودة التي تقتنص النفوس البسيطة وتستغل الفرص حتى تمتص قوة الآخرين لحسابها.
  2. أما المعنى الروحي فهي ترمز للنسور التي تتغذى على جسد ودم ربنا يسوع المسيح في سر التناول ولها الأجنحة والبصر الحاد للارتفاع إلى السماء وتأمل السمويات.

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”كتاب تفسير سفر ايوب – القمص مكسيموس صموئيل” field=name]

Leave a Comment